محمد طاهر الكردي
311
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
رأيتك ، فإني لأصغر من شأنك الآن . لقد كنت أظن أنك ستحدثني في بيتك هذا الذي أريد أن أهدمه ، والذي هو دينك ودين آبائك وشرفك وشرف آبائك ، فإذا أنت تحدثني في مائتين من الإبل . قال سيد قريش في صوت الهادئ الواثق المطمئن : أنا رب الإبل ، فلأحدثك فيها ، فأما البيت فإن له ربا سيمنعه . قال الملك : لن يمنعه مني . قال سيد قريش : فأنت وذاك . وأمر الملك أن ترد إلى الشيخ إبله ، فردت إليه . ولكني تبعته لأرى ما يكون من شأنه ، فإذا هو لا يقبض هذه الإبل إلا ليرسلها هديا إلى هذا البيت ، الذي لم يرد أن يتحدث إلى الملك فيه ويمضي هذا الشيخ إلى قومه من قريش ، فيأمرهم أن يفرقوا في الشعاب وعلى رؤوس الجبال هربا من الملك ، وإشفاقا من معرة الجيش ، ويقوم أمام بيته هذا الذي يعظمه وقد أخذ بحلقة بابه ، ومن حوله نفر من قومه ويقول كلاما حسن الانسجام شديد الوقع في النفس ، سمعته فأحببته ولكني لم أفهمه ، على أني كنت قد أخذت أحسن هذه اللغة . ثم يرسل حلقة الباب ، ويمضي مع من كان يصحبه من قومه فيتحصن في شعب من الشعاب . وأنظر أنا إلى هذه المدينة فإذا هي قد خلت من أهلها ، وقامت بيوتها هادئة ساكنة ، يظلها حزن عميق فيه هيبة وجلال . قامت بظلها هذا الحزن ، ولم أكن أرى في هذا الحزن خوفا ولا إشفاقا من معاول الهادمين . وأصبحنا وقد أمر الملك بدخول المدينة ، فيمّ ؟ ؟ ؟ الجيش أن يتحرك وفي مقدمته فيل عظيم ، ولكني أرى دليلنا نفيل بن حبيب الخثعمي يدنو من الفيل فيأخذ أذنه ويسر فيها كلاما . ثم يرسلها ويشتد هاربا في الجبل . وتثير حركة هذا الرجل في نفسي شيئا من العجب ، فما علمت أنه يعرف منطق الفيلة ، وما علمت أن الفيلة تعرف منطق العرب . وعجبت ، وليت عجبي لم يتجاوز هذه القصة ، ولكني رأيت بعد ذلك ما يقضي على كل عجب . رأيت بعد ذلك أشياء ما قدرت قط أنني سأرى بعضها . رأيت بعد ذلك أشياء وددت لو لم أرها قط . وإني على ذلك لسعيد أشد السعادة ، مغتبط أشد الغبطة ، لأني رأيتها ، فهي التي هدتني إلى الحق ، وهي التي كشفت عن نفسي الغطاء . رأيت الفيل قد برك ، حتى إذا دنا منه ساسته لينهضوه نهض معهم ، حتى إذا وجهوه إلى مكة برك من جديد . ويجد ساسته بعد ذلك في إنهاضه فلا يبلغون منه شيئا ، يحثونه ويؤذونه ويضربونه ، ويبلغون به أقصى ما يهيج الفيل فلا ينهض ولا يهم بالنهوض . حتى